تفاصيل المفاوضات الصعبة في مجلس الامن حول ملف الصحراء و صمود الديبلوماسية المغربية



صوت مجلس الامن في وقت متأخر الجمعة على مشروع قرار بتمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة المينورسو في الصحراء لسنة إضافية حتى 30 أبريل 2018. وكان من المقرر إجراء التصويت قبل ذلك ،لكن تأجل عدة مرات و ذلك لإتاحة الفرصة للجهود الرامية إلى حل الوضع في الكركارات، حيث كانت ملشيا البوليساريو لا تزال تنتهك اتفاق وقف إطلاق النار هناك و كذا للتغلب على العقبات التي تخللت المفاوضات التي وصفت بالصعبة .
ووضعت الولايات المتحدة مسودة القرار بالأزرق يوم الخميس 27 ابريل الى أن أرسلت ناميبيا بعد ظهر الجمعة إلى المجلس رسالة من البوليساريو تفيد بأنه " و استجابة لنداءات العديد من البلدان الصديقة اتخذت البوليساريو قرار إعادة نشر عناصرها المتمركزة قرب الكركارات". وفي وقت لاحق، أبلغت الولايات المتحدة أعضاء المجلس بأنها ستنتظر تأكيد بعثة المينورسو حول انسحاب البوليساريو قبل تعميم نص معدل للتصويت عليه بعد ظهر الجمعة 28 أبريل.
ثم أرسل المغرب رسالة إلى المجلس ردا على ذلك، قائلا إن "إعادة انتشارعادية لا تشكل انسحابا". وأعرب في رسالته عن أمله في " ألا تقع بعثة المينورسو وقوات عمليات حفظ السلام في هذا الفخ "، وأضاف أن المغرب "لن يعترف بأي عملية تقتصر فقط على إعادة انتشار.
و لم يعمم أي مشروع نص جديد بعد ذلك ويبدو أن الولايات المتحدة تعمدت هذا التأخير لتجنب مفاوضات اضافية صعبة.
المفاوضات الصعبة
قامت الولايات المتحدة بصياغة النص، ونوقش للمرة الاولى في 21 أبريل بين أعضاء مجموعة أصدقاء الصحراء (فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وإسبانيا كقوة استعمارية سابقة). وكانت هناك عدة نقاط خلاف بين أعضاء المجموعة تتعلق أساسا بثلاثة مسائل : كيفية معالجة الوضع في الكركارات، و مقترحات الأطراف من أجل التوصل إلى حل سياسي، ومسألة وظيفة بعثة المينورسو وعممت الولايات المتحدة مشروع نص معدل على المجموعة عقب اجتماعها، لكن تبين أنه لا يمكن أن يكون توافق بين اعضائها. واختارت تعميمه على جميع أعضاء المجلس بعد ظهر يوم الاثنين. وعقدت مفاوضات المجلس بكامل اعضاءه يومي الثلاثاء والأربعاء (25 و 26 أبريل). وبالنظر إلى أن أعضاء المجلس كانت لديهم آراء متباينة على نطاق واسع بشأن طبيعة النزاع، وكيف ينبغي للمجلس أن يعالجها، فإن حل بعض المسائل الأكثر إثارة للجدل كان امرغير ممكن في حينه.
الكركرات
وكانت فقرات النص الاول المتعلقة بالحالة في الكركارات مثيرة للجدل. وفيها ترحيب المجلس بقرار المغرب سحب عناصره من الشريط العازل استجابة للنداءات التي وجهها الأمين العام، و استخدمت لغة تقرير الأمين العام الذي أعرب عن "قلقه الشديد" "أن عناصر البوليساريو لا تزال هناك. وفي الفقرة ذات الصلة، استخدم النص عبارة "الإدانة" الأقوى في الإشارة إلى وجود البوليساريو، وحث بقوة على انسحابه، وطلب من الأمين العام أن يقدم تقريرا في غضون 15 يوما عما إذا كانت البوليساريو قد انسحبت. ولم يتم التوصل إلى توافق بشأن هذه الإشارات في مجموعة أصدقاء الصحراء، حيث اعترضت روسيا على ان ذلك لا يعكس ما يحدث في منطقة الكركرات . ورأت روسيا أيضا أنه من غير الملائم فرض ضغوط كثيرة على البوليساريو، بينما لم يضغط قرار العام الماضي على المغرب عندما قرر طرد أعضاء موظفي بعثة المينورسو المدنيين. ورأت كل من روسيا و بريطانيا أن الإدانة قوية جدا ويمكن أن تؤدي إلى تشديد موقف البوليساريو.
وحينما ناقش المجلس بكامل أعضاءه المشروع المقترح، قالت الأوروغواي وبوليفيا إنها لا تستطيع أن تؤيد إدانة البوليساريو. وكانت دول أخرى، من بينها إثيوبيا وكازاخستان وروسيا والسويد والمملكة المتحدة، من بين الأعضاء الذين اتفقوا على أن "الإدانة" قوية جدا في النص. واقترحت عدة صيغ من أعضاء المجلس ، واقترحت السنغال الخيار الأقوى المتمثل في إدانة البوليساريو بقوة.
وتساءلت أوروغواي في المشاورات التي جرت يوم الثلاثاء عن سبب عدم استخدام الدبلوماسية الصامتة التي استعملت مع المغرب بعد طرده الموظفين المدنيين للمينورسو العام الماضي، ولماذا أعطي المغرب في قرار العام الماضي مهملة لمدة 90 يوما عكس ما اعطي للبوليساريو الان و هي 15 يوما فقط. وردت السنغال أن الدبلوماسية الصامتة هي أداة ينبغي تخصيصها ل "للدول الأعضاء في الامم المتحدة"، و أنه يجب الاستجابة لنداء الأمين العام إلى المجلس لحث البوليساريو على الانسحاب.
ورحب النص الأول الذي تم طرحه باللون الأزرق بانسحاب المغرب من الكركرات، وأعرب عن قلقه العميق إزاء بقاء البوليساريو هناك. وحث بقوة على انسحابها، وطلب من الأمين العام أن يطلعه في غضون 30 يوما ان كان قد تحقق.
وكان أيضا المشروع الأول الذي قدم إلى اعضاء مجلس الامن يحمل صيغة جديدة مأخوذة من تقرير الأمين العام يسلم بأن الأزمة في منطقة الكركرات تثير أسئلة أساسية بشأن وقف إطلاق النار والاتفاقات ذات الصلة، وشجع الأمين العام على استكشاف السبل التي يمكن بها يمكن حل هذا الامر. وأيد بعض الأعضاء هذا الإدراج. وقد عارضت فرنسا، بدعم من السنغال، هذه اللهجة، بحجة أنها يمكن أن تعطي ذريعة للبوليساريو للبقاء في الشريط العازل. ومع ذلك تم الاحتفاظ بها في النص المقترح للتصويت.
واقترحت الولايات المتحدة على البوليساريو انها إذا انسحبت من الكركرات ، فانها ستزيل الصيغ ذات الصلة.
العملية السياسية
الصعوبة الاخرى في المفاوضات هي الإشارة إلى المقترحات السياسية لكل طرف. ففي مفاوضات العام الماضي، كانت الفقرة التاسعة من مشروع القرار مثيرة للجدل. واستندت الفقرة إلى الصيغة المتفق عليها سابقا في الاخذ بعين الاعتبار بمقترح الحكم الذاتي المغربي لعام 2007 "والجهود المغربية الجادة و ذات المصداقية للدفع بالعملية إلى الأمام نحو التوصل إلى حل"، مع الاخذ بالاعتبار أيضا باقتراح البوليساريو لعام 2007 و مرة اخر تتدخل روسيا فزعمت ان هذه اللغة من الجهود المغربية الجادة وذات المصداقية قد عفا عليها الزمن و ترسل رسالة سياسية خاطئة. و اضافت ان من بين الاسباب الذي جعلت روسيا تمتنع عن التصويت العام الماضى هو هذه العبارة التي تم الإبقاء عليها .
هذا العام، ذهبت مسودة مشروع القرار الأمريكي إلى أبعد من ذلك حيث نجد عبارة "الترحيب بالجهود المغربية" واعترضت روسيا مرة أخرى. ونوقشت صيغ أخرى؛ ولكن فرنسا اعترضت على حذفها، وأن النص الذي عمم على جميع الأعضاء رحب بالمقترح المغربي باعتباره جادا وذو مصداقية، في حين تم فقط الاخذ علما باقتراح البوليساريو.
وفي المفاوضات، رأت الأوروغواي أن هذا غير متوازن و اقترحت صيغة تأخذ علما بالمقترحين دون تفضيل للجهود المغربية و أيدتها روسيا. لكن عدد من الأعضاء، من بينهم الصين ومصر وإثيوبيا وإيطاليا والسويد والمملكة المتحدة ايدوا الحفاظ على العبارة المتفق عليها سابقا على الرغم من ان روسيا وأوروغواي أكدتا أن الصيغة المتفق عليها غير مقبولة وغير متوازنة. و كانت فرنسا والسنغال تريدان لغة ترحب بوضوح بالاقتراح المغربي باعتباره جدي و ذو مصداقية، في حين أن بوليفيا وروسيا وأوروغواي قالوا إنهم لا يستطيعون الترحيب بالجهود المغربية. ومع ذلك، فإن الصيغة الواردة في النص بالأزرق أخذت بعين الاعتبار المقترحات ، لكن ترحب بالجهود المغربية الجادة والمصداقية لتحريك العملية نحو الحل.
وظائف المينورسو كاملة
وثمة نقطة أخرى من أوجه الخلاف هو ما إذا كان عمل البعثة قد تعرض للخطر خلال السنة الماضية بعد طرد المغرب للموظفين المدنيين. ويشير تقرير الأمين العام إلى أن المغرب وافق في أوائل أبريل على استقبال 17 موظفا كانوا ينتظرون العودة إلى البعثة. واقترحت أوروغواي الإعراب عن الأسف لقرار المغرب الانفرادي بطرد الموظفين، مؤكدة على أهمية استعادة الأداء الكامل لمهمة المينورسو، وطلبت من الأمين العام أن يقدم إحاطة إعلامية في غضون 90 يوما عما إذا كانت بعثة المينورسو تعمل بكامل طاقتها الوظيفية لكن عدة أعضاء من بينهم مصر وإيطاليا وكازاخستان والسنغال والسويد اتفقوا جميعا على عدم اضافة مسألة الوظائف الكاملة في مسودة القرار الاخير.
الجوانب الأخرى
وقدمت مقترحات مختلفة في جوانب أخرى من القرار.فيما يتعلق بالمسائل الإنسانية، يتضمن مشروع القرار الاخير صياغة اقترحتها السويد يشير بقلق بالغ الى استمرار معاناة اللاجئين الصحراويين واعتمادهم على المساعدة الإنسانية الخارجية. وهناك اقتراح سنغالي آخر لم يدمج هو إدراج قلق المجلس إزاء التقارير المتعلقة باختلاس المعونة الإنسانية الموجهة إلى مخيمات تندوف، بالإشارة إلى النتائج التي توصل إليها تقرير المكتب الأوروبي لمكافحة الغش الذي صيغ عام 2007 ونشر في عام 2015.
واقترحت الأوروغواي إضافة فقرة جديدة بشأن إدراج مراقبة حقوق الإنسان في مهمة البعثة. لكن الولايات المتحدة لم تأخذها بعين الاعتبار.
و في النص النهائي تم إزالة الإشارات إلى الكركرات لكن تم الابقاء على عبارة تشير الى الأزمة حول وقف إطلاق النار وغيره من الاتفاقات. وتم اعتماد القرار بالإجماع.

هشام رجى
منظمة مراقبة الصحراء

ليست هناك تعليقات

يتم التشغيل بواسطة Blogger.