طنجة وتطوان في قلب الجدل: التشيّع، الأمن الروحي، والتقاطعات السياسية
حين يخرج التضامن من طنجة وتطوان… أسئلة لا يمكن تجاهلها
لم يكن خروج بعض الأشخاص في طنجة وتطوان في وقفات تضامنية مع النظام الإيراني حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه مرور الكرام.
ليس لأن العدد كان كبيرًا، بل لأن الرمزية كانت ثقيلة.
في بلد يُؤطر هويته الدينية ضمن المذهب المالكي وإمارة المؤمنين، وفي سياق سياسي يعرف توترًا معلنًا مع طهران، يصبح السؤال مشروعًا:
ما الذي يحدث بالضبط؟
أولاً: سؤال موجه للمشاركين في الوقفات
إذا كان الأمر مجرد تضامن إنساني مع شعب يتعرض للقصف، فالسؤال واضح:
لماذا كان التضامن موجهًا نحو النظام تحديدًا وليس نحو المدنيين فقط؟
هل تدركون أن المغرب يتهم إيران رسميًا بدعم أطراف تمسّ وحدته الترابية؟
كيف تبررون الاصطفاف — ولو رمزيًا — خلف دولة تعتبرها الرباط خصمًا استراتيجيًا؟
وإن كان الدافع مذهبيًا، فالسؤال أكثر حساسية:
هل هذا إعلان انتقال من قناعة فردية إلى تموضع علني؟
وهل الهدف مجرد حرية اعتقاد، أم محاولة خلق حضور رمزي داخل الفضاء العام؟
ثانيًا: سؤال موجه للمسؤولين
الدولة تتحدث دائمًا عن “الأمن الروحي”. مفهوم مهم، لكنه يحتاج وضوحًا:
ما هي المعايير الدقيقة التي تُحدد متى يصبح الاختلاف المذهبي تهديدًا؟
هل توجد معطيات فعلية حول حجم الظاهرة في الشمال، أم أن الأمر مبني على تقديرات إعلامية؟
كيف يتم التفريق بين حرية التعبير السياسي وبين الاصطفاف الخارجي؟
الأخطر هو الفراغ التواصلي.
حين لا تُقدَّم أرقام واضحة ولا معطيات دقيقة، يُترك المجال للشائعات والتأويلات.
ثالثًا: هل نحن أمام ظاهرة أم أمام تضخيم؟
عدد الوقفات كان محدودًا.
عدد المشاركين كان قليلًا نسبيًا.
لكن النقاش كان صاخبًا.
فهل نحن أمام:
ظاهرة تتوسع بهدوء؟
أم
حدث رمزي تم تضخيمه لأنه يمسّ منطقة حساسة سياسيًا ودينيًا؟
التاريخ القريب يُظهر أن المغرب عرف نقاشات مشابهة بين 2009 و2015، ولم تتحول إلى تيار واسع منظم.
رابعًا: التناقض الذي لا يمكن القفز عليه
المغرب بنى سياسته الخارجية على ثوابت واضحة، وعلى رأسها قضية وحدته الترابية.
إيران متهمة رسميًا بدعم أطراف معادية لتلك الوحدة.
هنا السؤال الجوهري:
هل يمكن الفصل بين “التضامن العقائدي” و“الاصطفاف السياسي”؟
في عالم اليوم، الرمزية تُقرأ سياسيًا حتى لو كانت نية أصحابها مختلفة.
خامسًا: الخطر الحقيقي… أين يكمن؟
الخطر لا يكون في اختلاف فكري فردي.
ولا في نقاش مذهبي أكاديمي.
الخطر — إن وُجد — يكمن في:
تحويل الخلافات الإقليمية إلى انقسام داخلي.
استيراد استقطابات الشرق الأوسط إلى مدن شمال المغرب.
خلق شعور بأن هناك ولاءات عابرة للحدود.
لكن السؤال المضاد مهم أيضًا:
هل التضخيم الإعلامي يصنع “خطرًا” أكبر من الحدث نفسه؟
وهل تحويل أقلية محدودة إلى عنوان دائم قد يدفعها نحو مزيد من التصلب بدل الاحتواء؟
الخلاصة
الوقفة في حد ذاتها قد تكون صغيرة،
لكن الأسئلة التي أثارتها كبيرة.
المطلوب اليوم ليس التخوين،
ولا التهوين.
المطلوب وضوح:
وضوح من المشاركين حول دوافعهم.
وضوح من المسؤولين حول تقييمهم وحجم الظاهرة.
وهدوء في النقاش حتى لا يتحول اختلاف محدود إلى شرخ أوسع.
لأن المغرب، تاريخيًا، لم يسقط بسبب اختلاف مذهبي،
بل كان دائمًا أقوى حين عالج أسئلته بشفافية بدل تركها تتراكم في الظل.

ليست هناك تعليقات